أبي حيان الأندلسي

630

البحر المحيط في التفسير

وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إخبار من اللّه تعالى بأن الظالم لا يهديه ، وظاهره العموم ، والمراد هداية خاصة ، أو ظالمون مخصوصون ، فما ذكر في الهداية الخاصة أنه لا يرشدهم في حجتهم ، وقيل : لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة ولا إلى الجنة ، وقيل : لا يلطف بهم ولا يلهم ولا يوفق ، وخص الظالمون بمن يوافي ظالما أي كافرا . والذي يظهر أن هذا إخبار من اللّه بأن من حكم عليه ، وقضى بأن يكون ظالما أي كافرا وقدّر أن لا يسلم ، فإنه لا يمكن أن يقع هداية من اللّه له أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ « 1 » . ومناسبة هذه الآية بهذا الإخبار ظاهرة ، لأنه ذكر حال مدّع شركة اللّه في الإحياء والإماتة ، مموّها بما فعله أنه إحياء وإماتة ، ولا أحد أظلم ممن يدعي ذلك ، فأخبر اللّه تعالى : أن من كان بهذه الصفة من الظلم لا يهديه اللّه إلى اتباع الحق ، ومثل هذا محتوم له عدم الهداية ، مختوم له بالكفر ، لأن مثل هذه الدعوى ليست مما يلتبس على مدّعيها ، بل ذلك من باب الزندقة والفلسفة والسفسطة ، فمدّعيها إنما هو مكابر مخالف للعقل ، وقد منع اللّه هذا الكافر أن يدعي أنه هو الذي يأتي بالشمس من المشرق إذ من كابر في ادّعاء الإحياء والإماتة قد يكابر في ذلك ويدعيه . وهل المسألتان إلّا سواء في دعوى ما لا يمكن لبشر ؟ ولكنّ اللّه تعالى جعله بهوتا دهشا متحيرا منقطعا إكراما لنبيه إبراهيم ، وإظهارا لدينه . وقيل : إنما لم يدع أنه هو الذي يأتي بها من المشرق ، لظهور كذبه لأهل مملكته ، إذ يعلمون أنه محدث ، والشمس كانت تطلع من المشرق قبل حدوثه ، ولم يقل : أنا آتي بها من المغرب لعلمه بعجزه ، فلما رأى أنه لا مخلص له سكت وانقطع . أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قرأ الجمهور : أو ، ساكنة الواو ، قيل : ومعناها التفصيل ، وقيل : التخيير في التعجيب من حال من ينشأ منهما . وقرأ أبو سفيان بن حسين : أو كالذي ، بفتح الواو ، وهي حرف عطف دخل عليها ألف التقرير ، والتقدير : وأرأيت مثل الذي ؛ ومن قرأ : أو ، بحرف العطف فجمهور المفسرين أنه معطوف على قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ على المعنى ، إذ معنى : ألم تر

--> ( 1 ) سورة الزمر : 39 / 19 .